المقريزي

42

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وتزوّجها الملك المكرّم أحمد بن أسماء - وهو ابن علي الصّليحي - سنة إحدى وستين ، وولّاها الأمر في حياته ، فقامت بتدبير المملكة والحروب ، وأقبل زوجها على لذّاته حتى مات ، وتولّى ابن عمّه سبأ ، فاستمرّت في الملك حتى مات سبأ . وتولّى ابن نجيب الدّولة حتى ماتت سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة ، وشاركه في الملك المفضّل أبو البركات بن الوليد الحميري ، فكان يحكم بين يدي الملكة الحرّة وهي من وراء الحجاب . ومات المفضّل في رمضان سنة أربع وثلاثين وخمس مائة ، وملك بلاده ابنه الملك المنصور منصور بن المفضّل ، حتى ابتاع منه محمّد بن سبأ ابن أبي السّعود معاقل الصّليحيين ، وعدّتها ثمانية وعشرون حصنا بمائة ألف دينار ، في سنة سبع وأربعين وخمس مائة . وبقي لمنصور تعز حتى مات بعد ما ملك نحو ثمانين سنة . وأمّا « عليّ بن مهدي » فإنّه حميري من سواحل زبيد . كان أبوه مهدي رجلا صالحا ، ونشأ ابنه على طريقته وحجّ ووعظ وكان فصيحا حسن الصّوت ، عالما بالتّفسير وغيره ، يتحدّث بالمغيّبات فتكون كما يقول ، وله عدّة أتباع كثيرة وجموع عديدة . ثم قصد الجبال ، وأقام بها إلى سنة إحدى وأربعين وخمس مائة ، ثم عاد إلى أملاكه ووعظ . ثم عاد إلى الجبال ودعا إلى نفسه ، فأجابه بطن خولان ، فسمّاهم « الأنصار » ، وسمّى من صعد معه من تهامة « المهاجرين » ، وولّى على خولان سبأ ، وعلى المهاجرين رجلا آخر ، وسمّى كلّا منهما « شيخ الإسلام » ، وجعلهما نقيبين على طائفتيهما فلا يخاطبه أحد غيرهما ، وهما يوصّلان كلامه إلى من تحت أيديهما . وأخذ يغادي الغارات ويراوحها على التّهائم حتى أخلى البوادي ، ثم حاصر زبيد حتى قتل فاتك بن محمد آخر ملوك بني نجاح ، فحارب ابن مهدي عبيد فاتك حتى غلبهم ، وملك زبيد يوم الجمعة رابع عشر رجب سنة أربع وخمسين وخمس مائة ، فبقي في الملك شهرين وأحدا وعشرين يوما ومات . فملك بعده ابنه مهدي بن علي بن مهدي ، ثم عبد النّبي بن مهدي بن علي بن مهدي ، وخرجت المملكة عن عبد النّبي إلى أخيه عبد اللّه ، ثم عادت إلى عبد النّبي . واستقرّ حتى سار إليه توران شاه بن أيّوب من مصر ، في سنة تسع وستين وخمس مائة ، وفتح اليمن ، وأسر عبد النّبي ، وهو آخر ملوك بني مهدي . وكان عليّ بن مهدي يكفّر بالمعاصي ، ويقتل من خالف اعتقاده ، ويستبيح وطء نسائهم واسترقاق أولادهم . وكان حنفيّ الفروع ، ولأصحابه فيه غلوّ زائد ، ومن مذهبه قتل من شرب الخمر ومن سمع الغناء .